الشريف الرضي
259
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
وتلخيص ما ذكرناه : أن من أقبل على الدنيا بوجهه ونأى عن الآخرة بعطفه وكدح للدنيا جاهدا ولم يعمل للآخرة صالحا ، جاز أن تقول فيه : إنه يريد عاجل الدنيا ومنافعها دون نعيم الآخرة ومنازلها ، لا أنه أراد الدنيا على قصد ، ولم يرد ثواب الآخرة على عمد ، بل لو جمع له الأمران لكان أحب إليه وأجل موقعا عنده ، ولكنه لما تشاغل بعمل الدنيا دون عمل الآخرة ساغ أن نصفه - على طريق الاتساع - بأنه يريد عاجل الدنيا دون آجل الآخرة ، وهذا كقوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا . ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) [ 1 ] ، وكقوله تعالى : ( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة . . . ) [ 2 ] ، فظاهر ذلك يدل على أن من أراد ثواب الدنيا أي منافعها فقط ، بعمل يعمله وجهاد يمارسه ، لا نصيب له في الآخرة ، وإنما يفوز بثواب الآخرة من جعل عمله خالصا طلبا للزلفة لديه والقربة إليه . 2 - وقال أبو علي : معنى ذلك : من أراد بجهاده الغنيمة نؤته منها ، ومن أراد ثواب الآخرة وهو النعيم الدائم نؤته منه ، وجعل سبحانه ذلك ترغيبا في طلب ثواب الآخرة وتزهيدا في طلب نعيم الدنيا . قال : وذلك لطف في المحافظة على الجهاد ، لان من قصد
--> ( 1 ) الأسرى : 18 ، 19 . ( 2 ) النساء : 134 .